المقريزي
213
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ولما كان في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة ، أخذ الملك الناصر فرج بن برقوق عمد الرخام التي كانت بهذه المدرسة ، وكانت كثيرة العدد جليلة القدر ، وعمل بدلها دعائم تحمل السقوف إلى أن كانت أيام الملك المؤيد الشيخ ، وولي الأمير تاج الدين الشوبكيّ الدمشقي ولاية القاهرة ومصر وحسبة البلدين وشدّ العمائر السلطانية ، فهدم هذه المدرسة في أخريات سنة سبع عشرة وأوائل سنة ثماني عشرة وثمانمائة ، وكانت من أجلّ مدارس الدنيا وأعظم مدرسة بمصر ، يتنافس الناس من طلبة العلم في النزول بها ويتشاحنون في سكنى بيوتها ، حتى يصير البيت الواحد من بيوتها يسكن فيه الاثنان من طلبة العلم والثلاثة ، ثم تلاشى أمرها حتى هدمت وسيجهل عن قريب موضعها ، وللّه عاقبة الأمور . المدرسة الصاحبية هذه المدرسة بالقاهرة في سويقة الصاحب ، كان موضعها من جملة دار الوزير يعقوب بن كلس ، ومن جملة دار الديباج ، أنشأها الصاحب صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكر ، وجعلها وقفا على المالكية ، وبها درس نحو وخزانة كتب ، وما زالت بيد أولاده . فلما كان في شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة ، جدّد عمارتها القاضي علم الدين إبراهيم بن عبد اللطيف بن إبراهيم المعروف بابن الزبير ، ناظر الدولة في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون ، واستجدّ فيها منبرا فصار يصلّى بها الجمعة إلى يومنا هذا ، ولم يكن قبل ذلك بها منبر ولا تصلّى فيها الجمعة . عبد اللّه بن عليّ بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن الحسن بن منصور بن إبراهيم بن عمار بن منصور بن عليّ صفيّ الدين أبو محمد الشنيبيّ الدميريّ المالكيّ ، المعروف بابن شكر ، ولد بناحية دميرة إحدى قرى مصر البحرية في تاسع صفر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، ومات أبوه فتزوّجت أمّه بالقاضي الوزير الأعز فخر الدين مقدام ابن القاضي الأجل أبي العباس أحمد بن شكر المالكيّ ، فرباه ونوّه باسمه لأنه كان ابن عمه ، فعرف به وقيل له ابن شكر ، وسمع صفيّ الدين من الفقيه أبي الظاهر إسماعيل بن مكيّ بن عوف ، وأبي الطيب عبد المنعم بن يحيى وغيره ، وحدّث بالقاهرة ودمشق ، وتفقه على مذهب مالك ، وبرع فيه ، وصنف كتابا في الفقه كان كلّ من حفظه نال منه خطأ وافرا ، وقصد بذلك أن يتشبه بالوزير عون الدين بن هبيرة ، كانت بداية أمره أنه لما سلّم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب ، وأفرد له من الأبواب الديوانية الزكاة بمصر والجبس الجيوشي بالبرّين والنطرون والخراج وما معه من ثمن القرظ وساحل السنط والمراكب الديوانية واسنا وطنبدى ، استخدم العادل في مباشرة ديوان هذه المعاملة الصفيّ بن شكر هذا ، وكان ذلك في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ، ومن حينئذ اشتهر ذكره وتخصص بالملك العادل ، فلما استقل بمملكة مصر في